*صهاريج عدن أعجوبة هندسية بناها الأجداد وأهملها الأحفاد ..*

149

 

 

صحيفة ((عدن الخبر)) خاص

إعداد القاضي أنيس جمعان

 

صهاريج عدن (صهاريج الطويلة) :
➖➖➖➖➖➖➖➖
▪️تعد صهاريج عدن من أبرز المعالم التاريخية والسياحية التي يحرص على زيارتها الزوار المحليون والسياح العرب والأجانب القادمون إلى مدينة عدن، ويحرص زوارها على زيارتها والوقوف على روعتها ودقتها الهندسية، ففي هذه البيئة البركانية الفقيرة بالمياه أجترح اليمنيون القدماء من المعاناة عملاً هندسياً ابداعياً. فعبر الممرات والصهاريج المتسلسلة تحفظ المياه بعد أن تمر بمراحل تصفية للتخلص من الطمي والرمال، بحيث تصل الى المراحل الأخيرة وهي صالحة للاستعمال ..

▪️تقع صهاريج عدن أو (صهاريج الطويلة) في مدينة كريتر مديرية صيرة وتحديداً بوادٍ يعرف بوادي الطويلة في امتداد خط مائل من الجهة الشمالية الغربية لمدينة كريتر – عدن، التي تقع أسفل مصبات هضبة عدن المرتفعة حوالي 800 قدم عن سطح البحر، وهي سلسلة متواصلة من أحواض المياه تحفظ الماء منذ آلاف السنين، تبدأ في سفوح جبل شمسان وتنتهي بوادي الطويلة الذي يصب في مياه البحر بخليج عدن قرب قلعة صيرة ..

▪️تأخذ الهضبة الواقعة ضمن جبل شمسان شكلاً شبه دائري، حيث مصب السيول عند رأس وادي الطويلة على مضيق يبلغ طوله 225 متراً. وتتصل الصهاريج بعضها ببعض في شكل سلسلة، بحيث تعمل الصغيرة في بداية الوادي بمثابة سدود لتصفية الرمل والطمي، مع ارتفاع فتحات ممرات السيول في الصهاريج، يمتلئ الصهريج الأول في أعلى الوادي بمياه السيول المندفعة من قمة الهضبة. وينساب الماء الفائض عبر قناة وممرات الى الصهريج الثاني، ليمتلئ هو بدوره، ثم ينساب الماء إلى الصهريج الذي يليه، وهكذا الى آخر ممر على ساحل خليج عدن، وثمة أحواض صغيرة في طرفي المضيق تتلقف السيول الجارية من سفوح الهضبة، وهي متصلة عبر ممرات وقنوات بالصهاريج الكبيرة، وللمحافظة على نظافة الصهاريج والمياه المحفوظة فيها، بنيت سدود قصيرة في وسط المضايق الجبلية وعلى جوانبها، منعاً للطين والحصى والعوالق من الانجراف مع المياه المندفعة من المنحدرات الى داخل الصهاريج، ولتسهيل إخراجها من الصهاريج ..

▪️لقد بنيت الصهاريج بغرض معالجة مشكلة شح المياه العذبة في هذه المنطقة البركانية، من خلال إقامة منشآت مائية من آبار وحياض وصهاريج لحفظ مياه الأمطار. وهي تحمي المدينة من الفيضانات الموسمية، بتلقفها السيول من أعالي الهضبة وتخفيف إندفاعاتها وتغذية الآبار الجوفية عبر فتحات خاصة صممت بشكل دائري في قاع كل صهريج، وعبر سلاسل من الممرات والصهاريج المتدرجة والممتدة من أعالي وادي الطويلة الى شاطئ خليج عدن، يمر فيضان السيول باتجاه البحر حفاظاً على المدينة من الانجراف ..

تسمية الصهاريج :
➖➖➖➖➖
▪️جاءت تسمية الصهاريج، من كلمة (صهريج) وهي لفظة مستعربة من اللغة الفارسية وتعني: حوض الماء، وهي خزانات مياه لتخزين مياه الأمطار لاستخدامها للزراعة وللشرب، وهي أيضاً لحماية مدينة عدن من السيول التي تسبب دماراً كبير حين نزولها كل عام، ولهذا بنيت هذه الصهاريج ..

▪️وقد أشار عدد من المؤرخون والرحالة الى ان كلمة صهاريج قد تعني عدد من المسميات التي يقصد بها مكان حفظ المياه، فقد وصفها الهمداني في كتابه صفة الجزيرة العربية أثناء تناوله لتاريخ مدينة عدن بانها (بؤرة) والبؤرة في لغة القواميس هي”الحفرة” .اما ابن المجاور فقد بين معنى صهريج في كتابه تاريخ المستبصر بانها عمارة الفرس عند بئر الزعفران وقصد بها حوض المياه ، فيما قال الرحالة العربي ابن بطوطه في كتابه تحفة النظار بعد زيارته لمدينة عدن (… وبها صهاريج يجمع فيها الماء ايام المطر …) .فيما وصفها الرحالة والأديب اللبناني أمين الريحاني بان (هذه الخزانات من أجمل الأعمال الهندسية في العالم

شكل صهاريج عدن :
➖➖➖➖➖➖
▪️دراسات أثرية حديثة غير مكتملة، ترجح أن الحِميَّريين كان من شيد صهاريج المياه الضخمة المعروفة حالياً بـ”صهاريج عدن” والتي تخزن قرابة 13,638,2757 لتر من الماء، وتأخذ الهضبة شكلاً شبه دائري حيث يقع المصب عند رأس وادي الطويلة، وتتصل الصهاريج بعضها ببعض بشكل سلسلة وقد شيدت في مضيق يبلغ طوله 750قدماً تقريباً، ويحيط بها جبل شمسان بشكل دائري باستثناء منفذ يؤدي ويتصل بمدينة كريتر ..

▪️لقد عرف اليمنيون القدماء باهتمامهم بالزراعة واعتمادهم عليها، لذلك أقاموا السدود والحواجز المائية، كما ابتكروا طرقا جديدة للتعامل مع مياه الأمطار، ومنها بناء صهاريج عدن التي تتجلى وظيفتها الرئيسية في حفظ مياه الأمطار وتصريف ما يفيض منها في مصبات معينة، بعيدة عن المناطق السكنية، وتأخذ الهضبة شكلاً شبه دائري حيث يقع المصب عند رأس وادي الطويلة، وتتصل الصهاريج بعضها ببعض بشكل سلسلة وقد شيدت في مضيق يبلغ طوله 750 قدماً تقريباً، ويحيط بها جبل شمسان بشكل دائري باستثناء منفذ يؤدي ويتصل بمدينة كريتر ..

▪️تعد صهاريج عدن مأثرة معمارية هندسية تبرهن على مابلغه الإنسان اليمني القديم من رقي وتقدم في ابتكاره لما يلبي احتياجاته في العصور القديمة، والتي اقتصرت وظيفتها على خزن المياه وحفظها، حبث تقوم بتوفير المياه وجمعها لتكون في متناول المستهلك وهو نظام يكشف عن براعة فريدة في كيفية تلقف الماء عبر جدران حاجزة منحوتة بصخور الجبل أو مبنية بالحجارة والقضاض تقوم بثلاث مهمات تلقف الماء، وحجز الحجارة والطمي الساقط مع الشلالات، وتوجيه الماء عبر سلسلة من هذه الجدران لتصريفه إلى حيث تكون الحاجة، ويغفل البعض عن وظيفة الصهاريج الاساسية والهامة في نفس الوقت والمتمثلة في حماية المدينة من كوارث السيول والامطار لامتصاص حدة اندفاعها وحفظ المياه في الصهاريج للاستفادة منها في اعمال الري وتغذية الابار الجوفية ..

تاريخ إنشاء صهاريج عدن :
➖➖➖➖➖➖➖
▪️أختلفت المصادر التاريخية في تحديد الوقت الذي تم فيه بناء صهاريج عدن، فلم يجد الدارسون والباحثون الأثريون أي سند أو نقوش أو دلالة تشير إلى تاريخ بنائها، ولكن مايلفت النظر وجود لوحة مثبتة على جدار بالقرب من صهريج كوجلان مكتوب عليها “هذه الخزانات في وادي الطويلة مجهول تاريخها”، ولكن القول الغالب أن بناءها مر بمراحل تاريخية متعددة كان أولها في القرن الخامس عشر قبل الميلاد في عهد مملكة سبأ، وبلغ عددها نحو خمسين صهريجاً، أكبرها يتسع لنحو 18 ألف متر مكعب، معظمها مطمور تحت الأرض أو أصابه الخراب، ومازال 18 صهريجاً منها قائماً الى الآن، وهي تستوعب نحو 20 مليون جالون، وهي تعد من أقدم أنظمة الري، ووصفها الرحالة والأديب اللبناني أمين الريحاني بأنها من أجمل الأعمال الهندسية في العالم ، وقد بنيت من الصخور البركانية ومادة «القضاض» التي تشبه الإسمنت، والمكونة من الرماد البركاني المخلوط بحجر الكلس (النورة) مع الهيلس والنيس تحت حرارة وضغط عاليين، وعلى رغم مرور ما يربو عن 35 قرناً، ما زالت سلسلة الممرات والصهاريج تؤدي دورها في تغذية المياه والحفاظ على مدينة عدن من السيول الى يومنا هذا ..

▪️لقد أنشأت الحكومة اليمنية في العام 2003م منتدى صهاريج عدن، وهو عبارة عن ملتقى ثقافي إبداعي يحمل أسم الصهاريج ويقوم بالفعاليات الفنية والأدبية والثقافية، إلا أنه يغلب على نشاطاته أنها شبه موسمية، وتستقبل صهاريج الطويلة سنوياً عشرات الآلاف من الزوار والسياح العرب والأجانب لغرض الإطلاع على مكوناتها المدهشة وخزاناتها ومتحفها ..

▪️لقد تعرضت مدينة عدن لأمطارا غزيرة هطلت على المدينة في العام عام 1953م إبان الاحتلال البريطاني وأدت لتخريب عدد من المنازل القريبة من الصهاريج نتيجة أن غالبية هذه الصهاريج طمرت تماما وبعضها طاله التخريب والإهمال، وهو ما لفت انتباه السلطات لأهمية المحافظة على ما تبقى من الصهاريج وسعت حينها لترميم أجزاء منها، وقد أحدثت الأمطار الغزيرة على مدينة عدن في الأعوام 1990م وعام 2020م إلى أحداث تخريب فيها، حيث تستمر حركة البناء والبسط العشوائي داخل منطقة الصهاريج الأثرية بمدينة عدن في ظل أنعدام الأستقرار الأمني الذي تعيشه عدن، ويتفاجأ الـزائر لصهاريج عدن اليوم الأهمال المتعمد الذي طال كل زواياه من قبل السلطة المحلية والمركزية، اومن منظمات المجتمع المدني، ومن منظمة العلوم والثقافة (اليونسكو)، للحفاظ عليه كونه عملاً هندسياً ابداعياً وإرثاً تاريخياً ، والذي كان في الماضي القريب يُشكل قبلة للزوار المحليين والسيّاح العرب والأجانب ..

▪️القاضي أنيـس جمعـان
➰➰➰➰➰➰

 

 

قد يعجبك ايضا