محمـد عمـر بحــاح يكتب.. *اشياء صغيرة  .. رائحة الخبز المدهور ..*

143

 

 

 

صحيفة ((عدن الخبر)) خــاص
  
بقـلم     /  محمد عمر بحاح

 

 

يذكر الطفل الذي كنته والذي لايريد ان يكبر اننا كنا جميعا لانتخلف عن صبوح العائلة . كان ثم جد اسمه احمد فرج يتصدر المائدة ، وثمةحبابتي مريم .. كان ثمة ابي وامي سعيدة وامي حواء ، واخي فرج واخي محفوظ حين يكونان في الديس ، وزوجاتهما وبقية اخوتي واخواتي والاحفاد ..
وقبل الفطور العائلي ، كان ابي ينكب على ركبتي جدي ويده يقبلها  ، ورأس حبابتي ويدها ثم نتبعه نحن البقية حسب العمر والتراتبية. نقبل رؤوس امهاتنا وايديهما ثم يد الاخ الاكبر ثم الذي يليه وزوجات اخوي ، ثم نتحلق حول مسرفة الفطور ..
لازالت رائحة الخبز المدهور .. رائحة السمك الساردين ” العيدة ”  رائحة القهوة لاصقة في انفي وطعمها في فمي  منذ ستين سنة لاتريد ان تغادرني .. ولاوجه حبابتي السمح الذي يقطر طيبة .. وجه جدي الصارم يسألنا إذا كنا قد صلينا الفجر جماعة في المسجد .. نحن في حضرة الأسرة كلها ومن يتخلف عن موعد الإفطار او الغداء يحرم من الأكل .. إحترام مواعيد الأكل جزء من العادات والتقاليد التي ينبغي ان نراعيها ونتعلمها ونحرص عليها .. التراتبية وجذر الأسرة الكبيرة هو الجد والجدة ثم يأتي الأب والأم والاخ الاكبر وهكذا…..
ذلك الزمن الجميل الذي تكتب عنه لم يعد موجودا !
هكذا كتبت لي اختي نجاة بحاح ، الآن بارت التربة ويبست النخيل واهملت وتخلوا عنها .. إلامانذر ..اهملت العتوم ونشفت ..حتى عادات البيوت في الدهير ومشكات السمك وتجمع اهل البيت حول الجد والجدة وتناول الفطور الجماعي انتهى ..حل محله النوم والروتي !! والناس فرحانين بهذا ويعتقدون انه التطور ..
عزيزتي نجاة ..
تهبنا حضارة اليوم اشياء وتسلب منا اشياء جميلة .. تسلبنا الخبز الأسمر المدهور في التنور وتعطينا الروتي المصنوع من الدقيق الابيض في الأفران .. تسلبنا سمك الدهرة ولحم المرق وتعطينا الشاورما ..تخلق ثقافة غذائية جديدة استهلاكية ، لاتعطي اجسامنا المناعة بل تسلبنا الصحة فانتشرت امراض لم نكن نعرفها او نسمع بها !! انها ضريبة العصر ندفعها ..لكن الأخطر من كل هذا انها تسلبنا من ضمن اشياء كثيرة القيم العظيمة التي تربينا عليها .. تنسل من بين أيدينا دون ان نشعر ..
ربما عزيزتي نجاة اردت من خلال هذه الاشياء الصغيرة. التذكيربقيمة الاشياء الكبيرة التي فقدناها .. إستعادة بعض طفولتي وطفولتك .. طفولتنا التي ضاعت منا او مابقي منها .. داخل كل منا طفل لايريد ان يكبر وزمن مضىنعرف انه لن يعود لكنه على الاقل يبقى في الذاكرة  ..
محاولة لإجتياز الكهولة قبل ان تتمكن منا إلى الطفولة !

قد يعجبك ايضا