صــالح بحــرق يكتب.. *سينما الحـرية*

135

 

 

 

صحيفة ((عدن الخبر)) خــاص

بقـلم / صالح بحرق

 

بعد أن تناولت عشائي في مطعم زمزم وقفت أمام شباك التذاكر في سينما الحرية لمشاهدة فيلم الليلة..لم تكن تستهويني مشاهدة الأفلام بالرغم من حفظي لاسماء مشاهير السينما.. ولكني دخلت سينما الحرية التي تقف قبالة مقهى زمزم من شارع غاندي لسبب آخر..
كان الليل قد ألقى برداءه على الانحاء .. وكنت تشاهد العدنيين وهم يحتسون الشاي على طريقتهم. كانت مكتبة دار الكتب في الشارع الطويل مفتوحة.. وكنت تبصر المكتبي يجول بين الرفوف لرفع الكتب المستخدمة القديمة.. وقد احتشد بجانبه على الرصيف نفر لاحتساء عصائر الليمون وعلى مقربة منه جلس بائع الفل والكادي.. وهناك في الطرف الآخر جلس ماسح الأحذية.
بدت سينما الحرية كاسم له دلالة خاصة عندي.. ولعل هذه الدلالة من ضمن الأسباب التي جعلتني لادخل سينما الحرية لاشاهد فيلم( ابي فوق الشجرة) مثل ملجأ لمجموعة من الناس البسطاء..
عرفت ذلك من أشكال المترددين عليها.. فاغلبهم من صغار الباعة.. ومن المهمشين.
وماإن بدأ الفيلم حتى هدأت الاصوات.. وتراخت الأنفاس.. واستراحت الجسوم المهدودة.
وقد تبين لي أن كثيرا من هؤلاء المشاهدين لايأتون اصلا لمتابعة قصة الفيلم.. بل ليفروا من ضغوطات معينة تمنحهم السينما فرصة للتخلص والتحرر منها.. إذ تقتطع جزء من اوقاتهم وتشعرهم أنهم أبطال على نحو ما.
اخذت أتطلع إلى الجالسين على المقاعد الحديدية تارة.. وتارة إلى الفيلم.. وكان الحاضرون يبتهجون للمناظر الساخنة ويتقلص المكان أمامهم حتى ليبدو لهم أنهم أمام أمانيهم.. ويتحررون من ربقة آلام وأسى يطوقهم..
ورحت افكر في زمن الفيلم الطويل الذي يمنح هؤلاء زمنا إضافيا للتصالح مع آلامهم واتعابهم.. أن الصورة تفتش في أعماقهم وتمنحهم متعة قصيرة.
وعندما اضيئت الانوار.. وانتهى الفيلم.. ومات البطل.. تدافع الناس إلى الخارج.. ليواجهوا واقعا مختلفا. وفي كل يوم تتسع الهوة بين المتخيل والواقع في حياتهم تلك وفي ليلة تدار عجلة الافلام.
وعدت بعد جهد إلى مقهى زمزم لاحتسي الشاي من جديد.. وعيني على لافتة سينما الحرية.. تبحث عن تلك الحرية.. فلااجدها الا على شباك التذاكر! وعدن وحدها تمنح الوجود كينونة جديدة..

قد يعجبك ايضا