من المصفوفة القانونية عن معنى العصيان المدني الصحيح ومبادئه وأشكاله وأهدافه المجتمعية .. الجزء_الأول ..

76

 

 

 

عدن الخبر/ كتابات حرة
إعداد القاضي أنيس جمعان

 

✍ معنى العصيان المدني :

العصيان المدني كونه هو أحد طرق المقاومة السلمية التي ثار بها الناس على القوانين غير العادلة ، وهو الرفض والخضوع لقانون أو لائحة أو تنظيم أو سلطة تعد في عين من ينتقدونها ظالمة ، وهو وسيلة سلمية إستثنائية هادفة مكفولة دستوريا تتضمن مخالفة صريحة لبعض الأنظمة والقوانين النافذة بغية إجبار السلطات الحاكمة على الإنصياع لمطالب المحتجين الشرعية ، أو هو بتعبير آخر مخالفة القانون وإطاعته في آن واحد وهو فى النهاية أداة جماهيرية سلمية قوتها وأثرها يعتمد على إختيار الناس لأن تستجيب للدعوة إليها أو أن تنصرف عنها ..

ويتجلى معنى العصيان المدني أيضا بإنه أسلوب سلمي إحتجاجي يلجأ إليه الناس لمواجهة السلطة المحلية أو الأجنبية في بلادهم بهدف تغيير القوانين التي يجمعون على أنها غير عادلة وإيقاف الممارسات الظالمة ومظاهر الفساد بإنهاء تلك السلطات وانتخاب سلطات بديلة لها ، وهو أحد الأساليب اﻷساسية للمقاومة السلمية ، التي تستخدم رداً على قرارات وأفعال الحكومات المستبدة ، وسلاح للمستضعفين لمقاومة الطغاة والفاسدين ..

ويظل العصيان المدني حقا دستوريا مكفولا للمواطنين طالما أنه ظل سلميا ولكن في بعض الحالات ومع تجاهل السلطة له أو التقليل من أهميته ، يضطر القائمون على العصيان المدني إلى استخدام العنف كرد فعل ووسيلة تصعيدية للضغط على السلطة ، وفي هذه الحالة يتحول إلى عصيان غير مدني ..

وللتوضيح أيضا ، إن العصيان المدني بمعنى آخر لاهو إضراب ولا هو مظاهرة ولاهو مسيرة ولا هو إحتجاج أو إحراق إطارات كما هو يحدث الآن ، إنما هو تعبير سلمي متحضر له صدى قوي جدا ويكون ذلك بإلزام الشعب بيوتهم وعدم الخروج إلى العمل ، ويتمثل نتائجة بإنه إستفتاء سيظهر للرأي العام المحلي والدولي من هم أكثر نسبة الموالون للحكم أو المعارضون للوضع المزري الذي تعيشه البلاد ، شريطة بأن لايصاحبه تخريب لإن ذلك يخرج العصيان عن مساره ، ويتوقف بموجبه كل مواطن عن كافة أشكال التعامل مع كل السلطات القائمة وأجهزتها ومؤسساتها ودوائرها ومسئوليها ، وتوقف عن ممارسة الحياة العملية الطبيعية فيها وبالتالي مخالفة قوانين وطلبات وأوامر الحكومة ، ويعتمد أساساً على مبدأ ترويج ثقافة اللاعنف من قبل الجماهير والسلطة على حد سواء ..

العصيان المدني مصطلح برز في القرن التاسع عشر واخذ مفهومه السياسي من الباحث هنري دافيد فقد استخدمه في بحث له نشره عام 1849م عندما رفض دفع الضريبة لتمويل الحرب الامريكية ضد المكسيك تحت عنوان ” مقاومة الحكومة المدنية” والعصيان المدني هو عبارة عن مصطلح سياسي يتمتع بحضور العمل السلمي الجماعي الذي يتعارض مع قوانين و قرارات الحكومة فمن خلاله يستطيع الشعب التعبير عن مطالبهم دون اللجوء الى العنف ففيه لايستجيب المواطنين الى قرارات الحكومة ويحاولون أجبار الحكومه على التخلي عن تلك القرارات والقوانين التي تتعارض مع مصلحة المواطنين ، وقد أستخدم الثوار عبر التاريخ العصيانَ المدني في حركات مقاومة سلمية عديدة في الهند مثل حملات غاندي من أجل العدالة الإجتماعية وحملاته من أجل استقلال الهند عن الإمبراطورية البريطانية ، وفي جنوب أفريقيا في مقاومة الفصل العنصري ، وفي حركة الحقوق المدنية الأمريكية ، وأول من استعمل مصطلح العصيان المدني وأشار إلى إيجابية انتشاره هو الكاتب الأفروأمريكي “فردريك دوغلاس” في مقاله الشهير ” اني ممتنع عن المشاركة” وقد كتب مقاله الشهير هذا عقب إمتناعه عن دفع ضرائب الحرب إحتجاجاً على العبودية والقمع والاضطهاد ضد الافارقة والسكان الأصليين ، لذلك مايجعل مصطلح “العصيان” ليس بجديد فهو أسلوب احتجاجي لجأ إليه الناس منذ عقود لمواجهة السلطة المحلية أو الأجنبية في بلادهم بهدف تغيير القوانين التي يجمعون على أنها ظالمة وإيقاف الممارسات الاستعمارية الخارجية أو الديكتاتورية المحلية بإنهائها وإيجاد سلطات بديلة لها ..

واليوم في القرن 21 “العصيان المدني” توسع نطاقه حيث يستخدم في المسائل التي تهم قطاع واسع من الشعب مثل المطالبة بزيادة الأجور وبتحسين الأوضاع الداخلية والخدمات ، أو بدعم السلع الحياة اليومية ، أو إطلاق سراح عدد من المعتقلين لأسباب سياسية ويكون ذلك من خلال مخاطبة العصيان حس العدالة والعدل لدى غالبية المجتمع ، حيث لابد أن يتضمن مجموعة من المطالب المحددة ويفضل أن تكون مكتوبة ويمكن أن تنشر هذه المطالب في وسائل التواصل الاجتماعي “المكتوبة والمرئية والمسموعة ” لإن تلك الطريقة هي اليوم التي تثبت مهارة القائمين على العصيان في إستثمار جهازهم الإعلامي البديل وخاصة بعد إنتشار وسائل التواصل الإجتماعي التي أصبحت في متناول العامة مثل الواتس أب والفيس بوك وغيرها لمواجهة كسر التعتيم ومن أجل الضغط على النظام الحاكم ، ومع مرور الوقت يتجاوز ذلك ليصبح طريقه لتحفيز المواطنين على التمرد والعصيان ، وكلما صمد تمرد الجماهير كلما إزداد عدد المنضمين للعصيان ،وعادة ما يكون دور العصيان المدني هو إشعال فتيل التظاهرات ، وكلما زاد القمع وبدأ التحرش بالمشاركين ، كلما كان ذلك مؤشراً على نجاح العصيان ، ولذلك ينبغي للحركات الاحتجاجية أن تعي لهذة النقطة جيداً ..

إضافة إلى ذلك يجب أن يتسم “العصيان المدني العام إلى السلمية في فعالياته لإن في بعض الأوقات بتكون موازين القوى بين المجتمع المقهور وسلطة الإستبداد غير متكافئة من حيث إمتلاك وسائل العنف والرد على هذا العنف ، وذلك مايدفع بعض الحركات الإحتجاجية إلى إعتماد اساليب “نضال” سلمية تعبر عن حالة الرفض والإحتجاج ضد جميع اساليب السلطة التعسفية الوحشية بأساليب لاعنفية ضد سلطات الإستبداد والديكتاتورية ، والعصيان المدني اتخذته الكثير من الحركات الاحتجاجية كمثال لنجاح توصيل رسالة ما في بعض بلدان العالم ، وفي بعض الأوقات والحالات التاريخية بتكون ثمرات “العصيان المدني” العملية محدودة ويتعذر أن يعم العصيان بين أوساط الجماهير جميعا ، ولكن كلما أتسع نطاق كلما كان تاثيره أكبر وأشمل ، وبسبب هذه الضغوط يضطر النظام بسرعة تلبية المطالب خوفا من سقوطه ..

#القاضيأنيـسجـمـعان

قد يعجبك ايضا