بوفاة الأستاذ الدكتور صالح علي با صرة فقد الوطن مناضلا صلبا ومفكرا ثرا ومؤرخا أمينا…. في زمن يمكن وصفه بزمن الموت….

82

 

صحيفة عدن الخبر – مقالات

 

بوفاة الأستاذ الدكتور صالح علي با صرة

فقد الوطن مناضلا صلبا ومفكرا ثرا ومؤرخا أمينا….

في زمن يمكن وصفه بزمن الموت….

 

 

إجتمعت فيه كل عوامل الأسى والحزن…واصلت فيه المليشيات الحوثية صنع المآسي بوتيرة عالية..بشنها حربا عبثية عنوانها القتل والدمار وكأنها تقول ها أنا ذا…وأقول واصلت كون تلك المآسي لم تكن ملكا أو إختراعا خاصا بها …..
وبدورها الحرب أنتجت وتنتج بسخاء منقطع النظير مآس وكوارث تشبهها كثيرا إضافة إلى مآسيها الرئيسة وعلى رأسها القتل والدمار من أهمها…….
الأحزان والثكل واليتم والأوبئة والأمراض والفقر والمجاعة والفوضى الأمنية وتغول الفساد بكل أشكاله…هذه المآسي والكوارث المتراكمة شكلت وحدة مركزية شديدة مهمتها إنتاج الموت والموت وحده…دون إختيار او إختصاص بأعمار أو فئات إجتماعية أو مستويات علمية إلخ حتى أصبح الموت السمه الرئيسة لهذا الزمن المعاش..وأصبح مروره في المجتمع بحكم اتساع مساحته شيئا شبه عادي عند الكثير او على الأقل إنخفاض مستوى هزاته العنيفة للوجدان وضعفت درجة الأحزان على الفقدان ، لتسيده للزمن والمكان.. ولكون من يفقد شخصا لا يرى نفسه وحيدا فاقدا حبيبا او قريبا أو صديقا رغم إشتداد عمليات تأثيره وبشكل كبير على الأسرة والمجتمع بشكل عام في ظروف شديدة القساوة التي يعاني منها المجتمع.

في مثل هكذا سمة لزمن الموت نفقد هامة كبيرة مثل الأستاذ دكتور صالح علي باصرة….
ولأنه هامة كبيرة فعلا فقد أعادت وفاته الإحساس الفردي والمجتمعي بالموت إلى أعلى درجاتها بحسب تقديري.

أولا لما كان يتصف به من صفات شخصية إنسانية راقية وعالية الدرجة قل أن تجتمع بشخص واحد..في ظل تسنمه لمراكز علمية وحكومية على صلة بالناس بشكل عام وبنخبه الطلابية والتعليمية والعلمية.

وثانيا..لتفرده بمواقف إنسانية وسياسية مع المجتمع والأشخاص بشكل مميز إذ كانت دائما عابرة لمصالحه الشخصية و سياسات حزبه..وغالبا ما كانت في الصف الآخر..المتفق مع الحق المدعومة بالحقائق…

وأضرب على ذلك بعض أمثلة :-

الأول..موقفه من البحث العلمي…

حين كان وزيرا للتعليم العالي والبحث العلمي..ذو الأهمية الكبيرة في تطور الشعوب والمغيب تماما يمنيا من الأعلى إلى الأدنى..بذل كل جهوده لإنتشال هذا المجال الهام إلا إن القيادة كانت تتمتع بدرجة عالية وقدرات كبيرة على (التطنيش والزمبلة)..تسمع بأذن من طين وأخرى من عجين .وربما من فولاذ وصخر…

فخرج على الكل بمقولته المشهورة عن ميزانية البحوث العلمية والتي كثيرا ما كررها من خلال تصريحاته الإعلامية ومحاضراته ولقاءاته المختلفة والكثيرة. ….
(بأن متوسط ميزانيات البحث العلمي في أفقر البلدان 2%من الدخل القومي للبلاد..
أما اليمن فقد تميزت لوحدها ودون منافس..بميزانية للبحث العلمي إذ بلغت نسبة 2% من ميزانية شؤون القبائل!!!!؟؟؟؟..)

ما أثار عليه نقمة من مستوى قيادات عليا..

الثاني…لجنة با صرة –هلال…الشهيرة بتقرير با صرة…هلال…والذي وضع القيادة العليا في البلاد أمام خيار…لا ثاني له. هو أن تختار الجنوب وشعبه أو خمسة عشر متنفذا.
فعلا مثل ما الأول أثار عليه نقمة فقد أثار عليه هذا التقرير حقدا فوقيا…لكن مقابله حبا جماهيريا

الثالث…تشكيل اللقاء التشاوري لأبناء الجنوب في صنعاء بهدف دعم نضال الحراك في الساحة الجنوبية..
لإدراكه ومعه كثير من أبناء الجنوب في صنعاء عسكريين مدنيين…موظفين وقطاع خاص…بأهمية الساحة الشمالية وتحديدا صنعاء في الدفع بالقضية الجنوبية إلى الأمام على إعتبارها القضية الرئيسة في البلاد بل وعلى المستوى الإقليمي و لما لها من أثار هامة على حالة الأمن الدولي بشكل عام. كذلك ، لوجود السلك الدبلوماسي العربي والأجنبي في صنعاء والمعبر عن الوجود الدولي بشكل عام وكذا توفر ساحة واسعة للنشاط في وسط مجتمعها بمختلف فئاته من عوام الناس إلى الإعلاميين والمثقفين والنخب بشكل عام بالإضافة إلى عناصر وأجهزة السلطة…والفعاليات الجماهيرية والعلمية مثل الندوات والمؤتمرات والحوارات واللقاءات الإعلامية إلخ..
بجرأة تقدم الركب مع رفاقه في ظل رفض رسمي لمثل هذه الفعالية كنظام بوليسي مع ذلك تم تشكيل ذلك اللقاء الذي تحمل الفقيد مسؤلية النائب وقاد نشاط الملتقى بحكمة وشجاعة مع رفيقه رئيس الملتقى القبطان سعيد يافعي وبتعاون وانسجام منقطع النظير…

لا شك تعرض ذلك اللقاء للتفريخ لكنه بتعاون الكثير قاد حوارا بهدف تنسيق الجهود وصل الأمر إلى توسط سفراء عرب بهذا الخصوص بحكم علاقاته وقدرته على توظيفها إذ كان له النصيب الأوفر في تحقيق النجاح في التنسيق بين الفعاليات الجنوبية…

على مرأى ومسمع من السلطات حينها….

قلت سأورد أمثله ولذلك سأكتفي بما سبق…
ربما أعتبرها أنا كقضايا تستحق الذكر كمآثر بطولية ليس في الميدان السياسي فحسب بل والأمني لما لها من أهمية بحكم متطلباتها من قدرات شخصية وجرأة وشجاعة.مع أنه مارسها كمسائل طبيعية إعتقد أن من واجبه القيام بها رغم الصعاب.هنا تكمن أهم الدروس المستفادة من تجاربه..دعوة للاستفادة منها كما ينبغي.
لم يحن بعد وقت السرد لمآثر وإنجازات الفقيد في مختلف المجالات وأهمها العلمي والتاريخي والقيادة بالقدوة .

هذا ما أتوقع أن تقوم به وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وجامعة عدن بدعم واضح من رئاسة الجمهورية والحكومة….

وقبل ذلك وعلى اعتبار صحة المثل الشعبي القائل (يوم الدولة سنة )…أن تقوم فعاليات بمبادرة من أهله و طلابه وزملائه ورفاقه وأصدقائه ومعار يفه في الداخل والخارج وهم كثر ونخب مثقفة وأصحاب سلطة ومقدرات مالية ومعرفية ولا شك في مقدمة الجميع المجلس الانتقالي .إلخ. بهدف جمع إنتاجه العلمي المكتوب والمسجل صوتا وصوتا وصورة إلخ. ثم تقييمه ونشره .البلاد بأمس الحاجة إليه… الكثير رحلوا وعندهم الكثير والكثير من الخبرات والتجارب ذهبت معهم ومع ذهابها يذهب مستقبل الأجيال المعاصرة واللاحقة والدليل على ذلك ما نحن عليه.

أضع نفسي محله وهو على فراش المرض في بلاد برع ويعالج هناك على أيدي أطباء هو من ساعد وأشرف على تأهليهم في الداخل والخارج وهم كثر ومشتتين في بلدان العالم…فقط لسبب واحد هو أنهم لم يجدوا الوسائل الحديثة والتي لا تساوي قيمتها والتدريب عليها ربع كلفة علاج مجموعة من المحضوضين في الحصول على منح علاجية في الخارج على حساب خزينة الدولة. فقط من أجل ان تحصل جماعات أخرى على نصيبها النقدي من تلك المنح…وأسباب أخرى..كلها تجعل صاحب العقل والحكمة وهو كذلك في لجج الحيرة وبحار الحزن …
لا شك أن مثل هذه الحالة ضاعفت من آلامه وفاقمت أمراضه وفارقنا وهو آسف كل الأسف لما نحن عليه من حال….

قد نجد ذلك في مذكراته.

من الوفاء أن نعمل على الإستفادة من تركته العلمية من أجلنا من أجيالنا القادمة…..

أن يطلق إسمه على منشآت علمية وشوارع وخاصة في عدن والمكلا…

هذا تكريم للعلم ….للدفع بعجلته إلى الأمام ولو قليلا من خلال تكريم رموزه. ولو بعد مغادرتهم هذه الحياة……ال….

إقامة ندوة خاصة بتراثه العلمي..

جمع وتحليل ونشر…
فأنا أكاد أجزم أنه مات فارغا.

من المال الحرام من مال الفساد عاش ومات نزيها. و من….

علمه وخبراته وتجاربه في هذه الحياة…لم يأخذها معه..لقد سكبها في اوانيها من أجل الأحياء من أجل حياة ولو بشق سعادة..لمن غادرهم. فلا تبقى حبيسة أدراجها.

كيف عرفته :
..عرفته إنسانا ورقيقة.
..رئيسا لجامعة عدن والتي عرفت تطورا إيجابيا كبيرا في ظل رئاسته.
..رئيسا لجامعة صنعاء والتي عرفت إصلاحات كبيرة في ظل قيادته.

..وزيرا للتعليم العالي والبحث العلمي…مجدا مجتهدا ..يعمل كخلية نحل….

.. مرضوحا في بيته….غير مستسلما لإرادة التهميش والبيات في منزله….تجده مناضلا..هنا في ندوة ومحاضرة هناك ولقاء وطني ورئيسا للجنة الموسوعة الوطنية الكبرى ورئيسا لمنتدى ونائبا للقاء التشاوري …و…و…

لم يستسلم ….حتى أرغم اليأس والإحباط أن يرفعا راية الاستسلام بين قدميه.

قصرت كثيرا في مقالتي هذه وان كررت وكررت الكتابة فسأظل مقصرا…لسبب واحد هو أنه لم يترك فرصة إختلاق صفات إنسانية و إنجازات عملية وعلمية ومواقف نضالية من عندي…فلم أزل وبعيدا عن العواطف على أطراف شاطئ صفاته وإنجازاته ومواقفه.

رحمة الله تغشاه
إنا لله وإنا إليه راجعون

العميد الركن علي ناجي عبيد
رئيس مركز الدراسات الإستراتيجية للقوات المسلحة.

قد يعجبك ايضا