*قـصـة أصـحـاب الـسـبت*

*ثـقـافـة إسـلامـيـة*

151

 

 

صحيفة عدن الخبر – *ثـقـافـة إسـلامـيـة*
*إعداد القاضي أنيـس جمعـان*

*من قـصـص الـقـرآن الـكـريـم ..*

*قصة أصحاب السبت ” مكروا ومكر الله “*
*———————*

*أبطال هذه القصة ( أصـحـاب الـسـبت ) بإنهم جماعة من اليهود ، كانوا يسكنون في قرية ساحلية ، أختلف المفسّرون في إسمها، ودار حولها جدل كثير ..*

*أما القرآن الكريم ، فلايذكر الأسم ويكتفي بعرض القصة لأخذ العبرة منها ، لكن بعض المؤرخون ذكر بإن هذه القرية تقع على شواطئ بلدة تسمى «أيلة» على سواحل بحر القلزم (البحر الأحمر حالياً) بين مدين والطور حيث وقعت أحداث هذه القصة والتي ذكرها الله في كتابه يقول تعالى :*
*(وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْيَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَاتَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَاكَانُوا يَفْسُقُونَ ) ..*

*وكان اليهود لايعملون يوم السبت ، وإنما يتفرغون فيه لعبادة الله ، وهذا كان بأمر من الله بعد أن طلب منه اليهود سبحانه أن يخصص لهم يوما للعبادة والتقرب منه وترك الدنيا وأمورها وللراحة لاعمل فيه سوى التقرب لله بأنواع العبادة المختلفة ، وأصبح اليهود يوم السبت يقومون بجميع انواع العبادات لله سبحانه وتعالى ، وجرت سنّة الله في خلقه ، وحان موعد الاختبار والابتلاء ، أختبار لمدى صبرهم وأتباعهم لشرع الله ، وإبتلاء يخرجون بعده أقوى عزما ، وأشد إرادة تتربى نفوسهم فيه على ترك الجشع والطمع ، والصمود أمام المغريات ..*

*لقد أبتلاهم الله عز وجل ، بأن جعل الحيتان تأتي يوم السبت للساحل ، الذي خصصه الله للعبادة فقط و عدم السعي فيه وراء الرزق ، و هنا تلاحظ رد فعل أهل القرية عندما لاحظ اليهود إن الحيتان تقترب فقط يوم السبت بحيث يسهل صيدها وتبتعد باقي الايام ، فانهارت عزائم فرقة من القوم ، وأحتالوا الحيل –على شيمة اليهود- وبدوأ بالصيد يوم السبت ، لم يصطادوا السمك مباشرة ، وإنما أقاموا الحواجز والحفر ، فإذا قدمت الحيتان حاوطوها يوم السبت ، ثم أصطادوها يوم الأحد ، كان هذا الاحتيال بمثابة صيد ، وهو محرّم عليهم ..*

*وقد ذكر إنه في يوم من الأيام أشتهى أحد أهل القرية أكل السمك فأغواه الشيطان وزين له القيام بحيلة للصيد ، فأتى إلى شاطئ البحر يوم السبت ورأى سمكة كبيرة تسبح فربط ذيلها بحبل ووضع الطرف الآخر في وتد على الشاطئ وذهب ، فلما أنقضى النهار عاد وأخذ السمكة وشواها فانبعثت رائحتها ، فأتاه جيرانه يسألونه عن ذلك ، فأنكر مافعل ، ولما أصروا عليه ، قال إنه جلد سمكة وجدته وشويته ، فلما كان السبت الآخر فعل مثل ذلك فلما سألوه ، قال إن شئتم صنعتم كما أصنع ، وأخبرهم ففعلوا مثله ..*

*وتفنن بنو إسرائيل في إستعمال الحيلة للصيد يوم السبت الذي نهاهم عنه ، فقام بعضهم يوم الجمعة بحفر حفر متصلة بالبحر بواسطة ممرات يسهل سدها، وكثر هذا وفعله الكثيرون ، ووصل بهم الأمر إلى أن أصطادوها يوم السبت علانية وباعوها في الأسواق ، فكان هذا من أعظم الاعتداء ، ورأى الناس أن من صنع هذا لايبتلى ، فعمرت الأسواق بها ، وأعلن الفسقة بصيدها لماجاهر الفساق بطريقتهم قام علماء بني إسرائيل ونهوهم وخوفوهم فلم يقبلوا ، فجعلوا بينهم وبين الفساق جدارا ولم يعودوا يساكنوهم ، كما قال تعالى :*
*( وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ )*

*قال أبن عباس وغيره ، إن اليهود كانوا متمسكين بدين التوراة في تحريم السبت في ذلك الزمان ، فكانت الحيتان قد ألفت منهم السكينة في هذا اليوم ، وذلك أنه كان يحرم عليهم الاصطياد فيه ، وكذلك جميع الصنائع والتجارات والمكاسب ، فكانت الحيتان يكثر عددها في ذلك اليوم، فتأتي ظاهرة آمنة مسترسلة ، فلا يهيجونها ؛ لأنهم كانوا يصطادونها بقية أيام الأسبوع ، حتى اختبرهم بكثرة الحيتان يوم السبت ، فلما رأوا ذلك أحتالوا على اصطيادها ، وهنا انقسم اليهود إلى فرق ، فرقة منهم ضعفت عزائمهم والأخرى قوة عزائمهم لإيمانهم بالله ، والفرقة التي ضعفت عزائمهم أصطنعوا الحيل والحيل ليس بالأمر الغريب على شيمة اليهود ، وكانت حيلتهم هم إنهم ألقوا الشباك يوم السبت وياتي يوم الأحد ياخذون الحيتان التي وقعت في الشباك ، و كان هذه الحيلة محرمه لإنها بمثابة احتيال على الله سبحانه ، فأفترقوا إلى ثلاث فرق ، فرقة عصت وصادت وكانوا نحو سبعين ألفا ، وفرقة نهت وتنحت وكانوا اثني عشر ألفا ً، وفرقة تنحت ولم تنه ولم تعص وهذه الأخيرة ، قالت للثانية التي نهت عن الحرام ، لم تعظون قوما عصاة سيهلكهم الله وسيعذبهم ، فقال الناهون عن المنكر موعظتنا من باب التذكير لعلهم يتقون ويتراجعون ..*

*وهنا يتبين بإنه قد أنقسمت القرية إلى ثلاث فرق من اليهود :*

*(1) فرقة منهم كانت لاتعصي الله وتأخذ موقف إيجابيا تأمر من عصى بان يحذر من غضب الله وكانوا هم أعلى مكانه عند الله ..*

*(2) فرقة كانت لاتعصى الله ولكنها ترى المنكر ولاتنهى عن المنكر ..*

*(3) فرقة كانت تقوم بفعل الحيلة وتلقي شباك صيدها يوم السبت ويغضبون الله ..*

*وكانت الفرقة الثانية تتجادل مع الفرقة الأولى الناهية عن المنكر وتقول لهم :*
*مافائدة نصحكم لهؤلاء العصاة ..!؟*
*إنهم لن يتوفقوا عن احتيالهم ، وسيصبهم من الله عذاب أليم بسبب أفعالهم ، فلاجدوى من تحذيرهم بعدما كتب الله عليهم الهلاك لانتهاكهم حرماته ، وبالرغم من ذلك لم يكف المؤمنين الصالحين عن النهي والتحذير من غضب الله تعالى ، وبصرامة المؤمن الذي يعرف واجباته، كان الناهون عن المكر يجيبون: إننا نقوم بواجبنا في الأمر بالمعروف وإنكار المنكر ، لنرضي الله سبحانه ، ولاتكون علينا حجة يوم القيامة. وربما تفيد هذه الكلمات، فيعودون إلى رشدهم ، ويتركون عصيانهم ..*

*وبعد أن أستمر المحتالون في حيلتهم وأستمروا في العصيان حل بهم العذاب لقد كان العذاب إن الله مسخهم ، وحولهم لقردة عقابا لهم على المعصية ( ومن هنا عرف نسب القردة إلى الانسان ولم يكون الإنسان أبدا نسبة إلى قرد لإن الله خلقه في أحسن تقويم ثم خسف به إلى قرد ) ، ولقد نجى الله المؤمنين الصالحين الذين ينهون عن المنكر ويأمرون بالمعروف ، ولكن الفرقة التي لم تعصي الله ولاتنهي عن المنكر لم يذكر الله لها نص في القرآن الكريم ، وقد سكت النصّ القرآني عنها ..*

*وقد ذكر إنه في الليل جاء أمر الله فانتقم من الذين فسقوا ومسخ شبانهم قردة وعجائزهم خنازير ، فقام الذين أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر صباحاً وذهبوا إلى أعمالهم ومجتمعاتهم فلم يروا أحداً من الفاسقين ، فاستغربوا وتساءلوا فيما بينهم وقام أحدهم ووضع سلما على الجدار فلما أشرف على القوم رأى عجباً، إذ أصبح الفساق قردة لها أذناب يتعاوون ويقفزون على بعضهم ، وخنازير تصدر أصواتاً قبيحة ، ففتحوا عليهم الأبواب ودخلوا ، وصار كل قرد يأتي قريبه من الإنس فيشم ثيابه ويبكي ، ولقد كان العذاب شديدا. لقد مسخهم الله ، وحوّلهم لقردة عقابا لهم لإمعانهم في المعصية ..*

*وتحكي بعض الروايات أن الناهون أصبحوا ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد ، فتعجبوا وذهبوا لينظرون ما الأمر ، فوجود المعتدين وقد أصبحوا قردة ، فعرفت القردة أنسابها من الإنس ، ولم تعرف الإنس أنسابهم من القردة ، فجعلت القردة تأتي نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي فيقول: ألم ننهكم ..! فتقول برأسها نعم ، ولم يبق الذين مسخوا أحياء أكثر من ثلاثة أيام ، لم يأكلوا خلالها ولم يشربوا ولم يخرج منهم نسل ، فماتوا جميعهم وهكذا كانوا عبرة لمن بعدهم من الأمم ، والروايات في هذا الشأن كثيرة ، ولم تصح الكثير من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأنها ..*

*لذلك نتوقف نحن هنا دون الخوض في مصير القردة ، وكيف عاشوا حياتهم بعد خسفهم ، وذلك لإختلاف المصادر فيها ..*

*وقد كان اليهود قبل بعثة النبي ، صلى الله عليه وسلم، يكتمون هذه القصة لما فيها من التوبيخ والذل لهم على ما جرى مع بعض أسلافهم من بني إسرائيل من الإهلاك والمسخ ، لكن الله فضحهم ، عندما أوحى إلى نبيه بأحداثها ليحذر اليهود من تعنتهم وتكبرهم ورفضهم الإيمان به، وليذكرهم بما حل بإخوانهم ، فقد زعم اليهود ، أن بني إسرائيل لم يكن فيهم عصيان ولامعاندة لما أمروا به ، ولذا أمر الله نبيه أن يسألهم على جهة التوبيخ لهم عن هذه القرية العاصية التي انتقم الله منها بأشد العذاب ..*

🐵🐖🐒🐖🐵

*الآيـات الـقـرآنـيـة الـتي ذكـرت بـهـا قـصـة أصـحـاب الـسـبـت :*
➖➖➖➖➖➖
*ذكرت قـصـة أصـحـاب الـسـبـت في سورة الأعراف : بسم الله الرحمن الرحيم ” وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ . وقال تعالى في سورة “البقرة”: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ” صدق الله العظيم*

*كما ذكرت الـقـصـة في سورة النساء بسم الله الرحمن الرحيم ” أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ” صدق الله العظيم ..*

*ورد ذكر الـقـصـة أيضاً في سورة البقرة ، كما ورد ذكرها بتفصيل أكثر في سورة الأعرف الآيات 163-166..*
*قال الله تعالى ، في سورة “الأعراف”:*
*(وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْيَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَايَسْبِتُونَ لَاتَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) ..*
*وقال تعالى في سورة “البقرة”:*
*(وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ”) ..*
*وقال تعالى في سورة “النساء”:*
*( أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا”) صدق الله العظيم ..*

*الـدورس الـمـستفـادة مـن قـصـة أصـحـاب الـسبـت :*
➖➖➖➖➖➖
*(1) سوء عاقبة إستعلان المخالفة الجماعية لشيء من شريعة الله ..*

*(2) سوء عاقبة التكسب من الحرام ..*

*(3) أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأنه هو سبيل النجاة ، خاصة عند إستعلان المعاصي ..*

*(4) أن الله تعالى قد يعجل بالعقوبة على بعض المعاصي في الدنيا ، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ، وغير ذلك من الأمور التي يتعظ بها المتقون ، فقصة أصحاب السبت قد جعلها الله تعالى موعظة للمتقين ..*

*اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر ، والعزيمة على الرشد ، ونسألك شكر نعمتك ، وحسن عبادتك ، ونسألك الغنيمة من كل بر ، والسلام من كل إثم ..*

*تحياتنا لكم*

*ثـقـافـة إسلامـيـة*
*القاضي أنيـس جمعـان*
*➰➰➰➰➰➰*

 

#ثـقـافـة_إسـلامـيـة*قـصـة أصـحـاب الـسـبت**إعداد القاضي أنيـس…

Gepostet von ‎ثـقـافـة إسـلامـيـة‎ am Freitag, 12. April 2019

قد يعجبك ايضا