عيد الأضحى.. زمن التسامح الإبراهيمي

135

 

 

 

صحيفة عدن الخبر – وكالات

إميل أمين – الاتحاد

 

 

 

وقت‎ ظهور هذه الكلمات للنور، يكون الحجيج فوق جبل عرفات، أحد أهم أركان الحج إلى بيت الله الحرام، البيت العتيق، الذي وضع إبراهيم الخليل أساساته مع ابنه إسماعيل، عليهما السلام. هل‎ نتوقف عند تبريكات الأعياد والتهاني على أهميتها في عالم يتحلل من العلاقات الإنسانية، وتطغي عليه المادية القاتلة، أم ربما يتحتم علينا أن نمعن النظر فيما هو أبعد، وننظر إلى إبراهيم الخليل نفسه، أبو الأنبياء، رجل التسامح والتصالح والتسليم لمشيئة الله، والذي لم يبخل بابنه على المولى عز وجل.

يضحى‎ التأمل في الأخوة الإنسانية التي تركها لنا إبراهيم الخليل أمراً واجباً في حاضرات أيامنا، حيث القدرة على الصفح والمغفرة تتقلص إلى أبعد حد ومد، وعوضاً عنها تنبت الأرض شوكاً من الانتقام، ويحصد الحاصدون عناقيد من الغضب، ويجني الكرّامون حصرماً لا عنباً، مراً لا طعم له، الأمر الذي يعيق البشرية عن التعاون والتضامن في حاضرها ومستقبلها

يعن‎ لنا أن نتأمل شرقاً أوسطياً بنوع خاص وعالمياً لاحقاً، إن دماء الخليل إبراهيم هي التي تسري حتى الساعة في شرايين أبنائه من المسلمين والمسيحيين واليهود حول العالم ، بوصفه الأب لجمهور الأمم، غير أنه ومن أسف فإن شرقنا الأوسط سُكب فيه الكثير من دماء أبناء إبراهيم في حروبهم وصراعاتهم البينية، لا سيما في العقود الثمانية الأخيرة، ولا يزال الدم المسكوب في الأرض المقدسة يصرخ لله صرخة ملتاعة تنشد السلام.

في‎ يوم وقفة عرفة هل يحق لأبناء إبراهيم أن يتساءلوا فيما بينهم عن المساحات المشتركة للحرية والتسامح؟

ربما‎ يكون أحد الحلول المطلوبة على عجل من أجل إنقاذ العالم من وهدة صراع الأصوليات وتنامي شر القوميات والشوفينيات القاتلة، أن يوجد أبناء إبراهيم أرضاً مشتركة بينهم، سيما وأن الجميع من قبل مالوا جهة التركيز على الاختلافات فيما بينهم، وقد اعتبر كل منهم أنه مالك الحقيقة المطلقة بامتياز، وأن الآخر أبعد ما يكون عنها.

‎ الكارثة التي لابد أن نستفيق عليها هي أننا أمام جماعات يقودها التفكير في الآخرين باعتبارهم معدومي الإيمان، وعصاة، وربما حتى غير مكتملين إنسانياً. وبما أنه قد تم تشويه سمعتهم والتقليل من احترامهم، يصبح تجاهلهم واضطهادهم، بل وحتى قتلهم أسهل من ذي قبل.

في‎ يوم وقفة عرفة ربما يتوجب على أبناء إبراهيم كافة وليس المسلمين فقط، وأعني بذلك اليهود والمسيحيين، أن يرسخوا من القيم والأخلاق ما يخلق التواضع والرحمة عوضاً عن التكبر والكراهية البينة، كما الحال عند داعمي التعصب، وناشري البغضاء في النفوس والعقول.

كان‎ إبراهيم الخليل يؤمن بإله رحيم محب للسلام، فاعل لما يريد، وأدرك أن الاستسلام لمشيئته هو الطريق للاستقامة الإنسانية، وعلى أبنائه من بعده والسائرين على دربه السعي لتأكيد حقيقة أن كل البشر هم عباد الله، الذين خلقهم في أحسن تقويم، على صورته العاقلة وإرادته الحرة خلقه، هذا هو المفهوم الذي يتشارك فيه المسلمون واليهود والمسيحيون على السواء.

‎ من هذا المنطلق تضحى التحديات التي تقزم من شأن الإنسانية، قاسماً أعظم مشترك للأديان الثلاثة ولاتباعها، ويضحى نضالهم من أجل تعزيز حياة كريمة للإنسانية، والدفاع عن المظلومين، والزود عن المضطهدين، وتحسين مستوى الحياة على أشكالها كافة، بل الدفاع عن وحماية البيئة وكوكب الأرض، وتلك أمور واجبة الوجود كما تقول جماعة الفلاسفة.

مؤلم‎ جداً هذا التساؤل الذي بات يتردد على ألسنة الكثير من الشباب في عالمنا العربي، وهو ما يهمنا بالدرجة الأولى: «هل الأديان هي السبب في شقاء الإنسان»؟ الشاهد‎ أن الحقائق مؤلمة للغاية، والمصارحة بشأنها أمر مرير، سيما وأن نسبة الإلحاد تتزايد شرق أوسطياً، وربما كان هذا أحد أوجه ارتدادات الظاهرة المعروفة بـ «تجار الأديان»، أولئك الذين أهلكوا كثيراً جداً من الزرع والضرع طوال العقود الماضية في عالمنا العربي، أولئك الذين ضيقوا واسعاً، وسرقونا من رحابة الإيمان إلى ضيق الأصوليات المغشوشة، ولهذا ربما شعر جيل بعينه أن القائمين على شؤون الأديان، لم يكونوا عامل توفيق، بل دعاة تفريق، ومن هذا توالد الشر الإلحادي الأعظم، ذاك الذي لم يخيل للمرء أنه يمكن عند لحظة بعينها أن يوجد في شرقنا وعالمنا العربي.

يوما‎ً تلو الآخر ترتفع رايات التعصب الديني، وتتقلص مساحات التسامح. غير أنه من الجيد أن يُحول البشر النقمة إلى نعمة، ومن قلب الجفاء والجفاف الإلحادي المعاصر هذا، أن تعلو أصوات تعزز التسامح والصفح، والمقدرة على المغفرة المتبادلة، وأن تطرح التعصب والكراهية في بحور النسيان، وأن يسعى الجميع لاستلهام روح أبو الأنبياء إبراهيم الخليل وإيمانه الخلاق في هذا اليوم، وكل عام وأنتم بخير وعيد سعيد.

الاتحاد

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا