أحمـد علـي القفـيش يكتب.. #العدل_مسؤليتنا_جميعاً

167

 

 

 

صحيفة ((عدن الخبر))  مقالات

#العدل_مسؤليتنا_جميعاً

 

 

العدل : من أسماء الله الحسنى
ومفهوم العدل شرعاً إعطاء كل ذي حقاً حقه وهوا نقيض للظلم فمتى ما حضر العدل إنتهى الظلم ومتى ما غاب أستفحل وقد حرص سبحانه تعالى في تبيين شامل لجميع الأحكام والمعاملات والأفعال وتنظيمها بنصوص قرآنية وأكدتها سنن نبوية صحيحة وما يترتب عليها من حقوق وحدود حتى لا تكون أي حج للظالمين.

أما المفهوم العامي للعدل فإن البعض يرى بأنه تلك الوزارة او المبنى الذي يعتليه ميزان وبداخله عدداً من القضاة الذين يجلسون في منصة مرتفعة ويحمل أحدهم بيده مطرقة وبجانبهم قفص للمتهمين وتقابلهم قاعة للمتخاصمين والمدعين والمترافعين والشهود.

وقد قال مقولته الشهيرة حول العدل ومكانته عند الله شيخ الإسلام ابن تيمية “ينصر الله الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة” كما أن الله سبحانه تعالى لم يخص فئة معينة من الناس بالعدل عن غيرها ولم يفرق في المعاملات والحقوق بناء على الإنتماء الديني او العرقي بل أن خطابه عزوجل موجه لكل المكلفين الذين تتوفر فيهم الأهلية وتختلف مسؤولية كل فئة بناءً على مكانة أصحابها وما يحملون من مسؤلية في المجتمع على عاتقهم وقد قال تعالى: وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).

فالقاضي عندما يقوم بالنظر في الدعاوى والدفوع والأدلة المقدمة وسماع الشهود وكافة التفاصيل التي يمكن له أن يبني حكمه العادل عليها فطالما أبلا حرصه بقصد تحقيق العدالة وعمل بالحجج الصحيحة والثابتة يعتبر عادل وإن لم تتحقق كون حكمه مبني على ثبوت الأدلة الظاهرة وليس مبني على الثقة او الغيبيات وإن كان هناك تقصير من صاحب الحق الذي عجز عن إثبات حقه او جهله بإجراءات جمع الإستدلالات والعبث بها فالعدالة ليست محصورة في القضاء ولا في القاضي فمأمور الضبط القضائي ومحضر جمع الإستدلال عدول والشاهد عدل في قول الحقيقة والأب عدل في بيته وبين أولاده وصاحب العمل عدل في عماله والمدرس عدل مع طلابه والطبيب عدل لمرضاه والمسؤول عدل مع موظفية والجمهور الذي يقدم لهم خدمات من خلال مرفقه والراعي عدل مع أغنامه وقد أمر الله الناس بالعدل في كل شيء بقدر المسؤلية المناطة به وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “كلكم راع وكل راع مسؤل عن رعيته”.

فالعدالة سلوك وممارسة وتعامل وليس بالضرورة أن تكون العدالة والظلم محصورتان في القضايا التي يترتب عليها أضرار مادية او عينية او يترتب عليها الحق في مقاضاة المتسببين فيها لأنها قد لا ينتج عنها أضرار مادية والبعض من العدالة قد تكون مبنية على سلوكيات مرتبطة بضمير صاحبها وما يضمره في نفسه ولا يعلمها إلا الله الذي يطلع على الأفئدة ومن يحمل في نفسه الغل وظلم الأخرين والتي قد ينتج عنها سلوك او تصرف إما بتجاهل او بنظرة او بسوء معاملة تتسبب في جرح داخلي ونفسي لمن وقعت عليه أشد وقعاً وأكثر إيلاماً وإن كان النظر فيها مؤجل كون المختص في النظر فيها ليس قاضي عادي وإنما عند ملك الملوك الذي لا يخفى عليه شيء ولا تغادره صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها والذي يقضي بالحق ولا يقضى عليه أن الله عدل وأنه لا يضيع عنده حق لأيا من عباده صغير أم كبير.

ولذالك فالعدل لا يرتبط بديانة ولا بجنس او مخلوق محدد فهوا سنة كونية أهلك الله بسببها أمم كثيرة بسبب ظلمهم وكلف الإنسان بالعدل فإن ساد العدل في سلوكنا وفي أخلاقنا وفي تعاملاتنا عم البلاد والعباد العدل والرضى من الله سبحانه تعالى وأصبح الظلم منبوذ ومنكور بين الناس فمعاملة الناس دون تمييز عدل وقول كلمة الحق عدل وأختيارك لمن يستحق أن يمثلك سواءً كان بالإقتراع او التزكية عدل وتبين الحقيقة من الشائعة عدل وعدم قطع السقيا عن جارك وعن أرضه عدل وأحترامك للأحكام الشرعية والقوانين التشريعية التي تنظم حياة الناس والمجتمع ويترتب عليها مصالحهم عدل وإنصافك للأخرين حتى وإن كنت على خلاف معهم وعدم الفجور الخصومة عدل وكذالك عدم القبول بأي إنتهاكات او مظالم مهما كانت المبررات او الغايات تحت أي شعارات خاطئة مبنية على قاعدة الضرورة تبيح المحضورات عدل.

ولا يمكن لأن يكون التعميم في الحكم على الناس المبني على التصنيف عدل او أن البندقية كذالك تأسس للعدل وكذا نصف الحقيقة لا يمكن أن يبنى عليها العدل وما تتناقله وسائل الإعلام ومواقع التواصل وبعض المنظرين والحزبيين والمتسيسين ليست حقائق كافية و دامغة يمكن أن تتخذ بموجبها مواقف تخص العدل إلا إذا كانت تحمل أدلة كافية تأكد عدالة موقفهم ولذالك فإننا كبشر وكورثة لله في أرضه تنتقل إلينا صفت العدالة ومكلفين تكليف مباشر من الله في تطبيق هذه الصفة إبتداء من أنفسنا وما يصدر منا أفعال او أقوال او ممارسات او مجرد أفكار نضمرها في أنفسنا والتي قد تنموا فينا وتكبر وتكون سبباً في إنحراف وشذوذ مفهومنا للعدالة وتغلب عليها تأثيرات باطنية ومزاج دنيوي يتنافا مع عدالة الله.

وعليه ومن خلال المفهوم الواسع للعدالة والذي يتجاوز حدود القضاء إلى عدالة الكلمة والسلوك والأعمال والتصرفات والتفكير وجميع الوسائل التي تعمل على تحقيق العدالة باعتبارها سنة كونية وأمر إلآهي ووازع ديني وأخلاقي يجب أن يزرع في ضمير كل إنسان مكلف كامل الأهلية بإعتبارها مسؤلية تضامنية وهدف إنساني يحمل ثقافتها المجتمع ككل ويبدأ بتنفيذها الفرد من خلال حرصه على أن يكون عادل في تقديراته متأني في أحكامه باحث عن الحقيقة متجرد من إنتماءاته منطقي في طرحه مستقل في فهمه صادقً في توجهه محب لدينه مخلص لوطنه منصف لغيره مقر بأخطائه ولا تربطه مصالح شخصية فلو حمل الناس جميعاً مسؤلية ومفهوم العدل كما كلفنا بها الله لما أختلفنا ولا تباعدت خطانا وتمزقت علاقاتنا ولا أستغلونا لصوص الثورات ونهاب الثروات ومحبي الزعامات وبرروا أفعالهم التي تأسس لأنتهاك العدل وتعميق الظلم بأنها طبيعية ترافق كل الثورات والبعض يعلل بأنها أفعال تم توارثها في السنين الماضيات.

والحقيقة التي يجب أن نؤمن بها ولا نفرط فيها هي أن التفريط في مبادئ العدل مهما كانت المبررات او حجم التفريط لن يورث لنا إلا أنظمة دكتاتورية وفساد مطلق وعدل ضائع وسيطرة لثلة معينة على أموال البلد وثرواتها بطرق غير مشروعه والتسبب في إخلال موازين التوزيع العادل للثروة والتشريع لمبداء الظلم الذي سيعم الجميع ولن يسلم منه أحد بإعتبارها أعمال مألوفة أصبحت جزء من سلوكيات المجتمع ولا أحد ينكرها والتسبب في وقوع المجتمع في أزمة أخلاقية تسقط فيها كل القيم المجتمعية والوازع الديني ويتحول مجتمعنا إلى مجتمع منحل وبيئة جاذبة وقابلة لكل الجرائم التي تنخر في جسد المجتمع وإنتشار الجريمة وإنحراف كثيراً من الشباب وغياب الأمن ويعم الخوف والفقر والجهل والمرض.

إن القيم و الأخلاق والإستقامة والعدل لا توجدها الأنظمة ولا الزعامات ولا الملوك ولو كانت كذالك لقبل عليه الصلاة والسلام عرض قريش له وأصبح ملكاً يطيع الكل أوامره ويدخلهم في دينه فقد كانت الشعوب تدين بدين ملوكهم بدلاً من نبي لا يؤمن به سوى عدداً من الصبية الضعفاء والمملوكين لسادة قريش ولكن حكمة الله بأن الدولة تبدأ ببناية الفرد وتهذيبه وتعميق مبدأ العدل والمساواة والتعاضد والإخاء بين الأفراد كنواة أولى لإيجاد مجتمع متماسك تذوب فيه هوية الجاهلية وينتج عنها هوية جديدة هوية الإسلام لتملاء الكون عدلاً و نوراً ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم إسوتاً حسنة وقد علمنا بأن القيم والأخلاق والعدل الإخاء والمساواة بين الأفراد هي النواة الأولى لبناء المجتمع وتأسيس للدولة المدنية العظيمة وأن السلوكيات التي ترافق بناء الدولة هي من ترسم ملامحها ونوعها وشكلها فلا تتوقع أن تلد البغلة خيلا ً وما تزرع من بذرة تجني ثمارها.

احمد علي القفيش

قد يعجبك ايضا